محمد غازي عرابي

1175

التفسير الصوفى الفلسفى للقرآن الكريم

سورة البلد بسم اللّه الرّحمن الرّحيم [ سورة البلد ( 90 ) : الآيات 1 إلى 3 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ لا أُقْسِمُ بِهذَا الْبَلَدِ ( 1 ) وَأَنْتَ حِلٌّ بِهذَا الْبَلَدِ ( 2 ) وَوالِدٍ وَما وَلَدَ ( 3 ) [ البلد : 1 ، 3 ] إشارة إلى الجسم الكلي ، والنور المحمدي حقيقة هذا الجسم وروحه وقواه ، وإلى هذا الفعل الروحاني أضافت الآية واصفة نور النبي بأنه حل بهذا البلد ، يقاتل فيه ، إشارة إلى تحقيق الفعل وتحقيق التناقض الذي كنا قد تحدثنا عنه . والوالد آدم ، وأوردنا حديث صلّى اللّه عليه وسلّم : ( أنا أبو الأرواح وآدم أبو البشر ) ، فآدم ممثل الجنس الإنساني الشامل الذي أوجده الروح الكلي الشامل وفعل فيه . [ سورة البلد ( 90 ) : الآيات 4 إلى 5 ] لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي كَبَدٍ ( 4 ) أَ يَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ( 5 ) [ البلد : 4 ، 5 ] تذكر الآيتان بأن الوجود الإنساني بل والحيواني والعنصري هو في كبد يكابد شدائد الحياة نفسها ، ولهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : ( لا راحة لمؤمن إلا بلقاء ربه ) ، وقال عارف : توقع الأكدار ما دمت في هذه الدار ، ولا يتحقق السّلام في هذه الدنيا إلا لمن اجتبي فكوشف فذاق فعوفي فعرف فدخل في الرحمة الإلهية ، وصارت عليه نار التضاد بردا وسلاما . [ سورة البلد ( 90 ) : الآيات 6 إلى 20 ] يَقُولُ أَهْلَكْتُ مالاً لُبَداً ( 6 ) أَ يَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ ( 7 ) أَ لَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ ( 8 ) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ ( 9 ) وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ ( 10 ) فَلا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ( 11 ) وَما أَدْراكَ مَا الْعَقَبَةُ ( 12 ) فَكُّ رَقَبَةٍ ( 13 ) أَوْ إِطْعامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ ( 14 ) يَتِيماً ذا مَقْرَبَةٍ ( 15 ) أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ ( 16 ) ثُمَّ كانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَواصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَواصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ ( 17 ) أُولئِكَ أَصْحابُ الْمَيْمَنَةِ ( 18 ) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِنا هُمْ أَصْحابُ الْمَشْأَمَةِ ( 19 ) عَلَيْهِمْ نارٌ مُؤْصَدَةٌ ( 20 ) [ البلد : 6 ، 20 ] الإشارة إلى اشتغال الإنسان بتحصيل الكليات من المحسوسات ، ثم تسخير هذه المعقولات لعبادة نفسه وتأليهها وأصنام صور العيان من حوله ، في حين يذكر اللّه بأنه لم يخلق الإنسان ليعبد نفسه ، بل ليعبده هو ، ولهذا جعل له العينين واللسان والشفتين ، فهذه الحواس قوى إلهية مسخرة لخدمة الإنسان ، وقد وجدها عنده مصادفة ، فالإنسان لم يخلق بصره ولا سمعه وفؤاده ، لقد وعى ، منذ وعى ، وجود هذه القوى والجوارح لديه ، لكن الإنسان يطغى ، إن رأى ماله من مال العلوم الحسية والعقلية استغنى عن ربه الذي خلقه ، وهداه النجدين ، فلا اقتحم العقبة الكبرى التي هي أناه ، ولا أدرك الغاية من وجود هذه الأمانة الموجودة لديه من